
هناك مباريات تنتهي بصافرة الحكم، وهناك مباريات لا تنتهي أبدًا، لأنها تتحول إلى قضية رأي عام، وتبقى عالقة في ذاكرة الشعوب سنوات طويلة. وما شاهدناه في مباراة مصر والأرجنتين، من وجهة نظري، ينتمي إلى النوع الثاني. لم أشعر للحظة أن ما حدث كان مجرد تسعين دقيقة من كرة القدم، أو أن الأمر اقتصر على قرارات تحكيمية قابلة للاجتهاد، بل بدا المشهد بأكمله وكأنه يحمل رسائل أكبر من حدود الملعب، حتى خُيل إليّ أن منتخب مصر خسر المباراة قبل أن تنطلق صافرة البداية.
قد يختلف البعض مع هذا الشعور، وهو حقهم الكامل، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن حالة الدهشة والغضب لم تكن مصرية، ولا عربية، ولا إسلامية فقط. فمن يتابع ما كُتب في أمريكا اللاتينية، والبرتغال، وعدد من الدول الأوروبية، يدرك أن علامات الاستفهام كانت عالمية، وأن كثيرًا من الإعلاميين والمحللين والجماهير، ممن لا تربطهم بمصر أي مصلحة أو انتماء، رأوا أن بعض القرارات كانت مثار جدل حقيقي، وأن العدالة داخل المستطيل الأخضر بدت، في نظرهم، موضع تساؤل.
ولعل أكثر ما يدفعني إلى التفكير هو التوقيت. فالكابتن حسام حسن، طوال بطولة كأس العالم، لم يتحدث عن الخطط الفنية فقط، ولم يحصر نفسه في لغة الكرة التقليدية، بل اختار في أكثر من مؤتمر صحفي أن يرفع صوته دفاعًا عن الأطفال الأبرياء، والأمهات، والمدنيين الذين يسقطون يومًا بعد يوم تحت القصف في غزة. لم يكن حديثه سياسيًا بقدر ما كان إنسانيًا، ولم يطالب إلا بما تطالب به كل الضمائر الحية: أن يتوقف نزيف الدم، وأن يبقى الأطفال خارج حسابات الحروب.
هل يمكن أن يكون لمثل هذا الموقف ثمن؟ لا أملك دليلًا يثبت ذلك، ولا يجوز لأحد أن يقدم هذا الاستنتاج على أنه حقيقة، لكن من حقنا أن نتساءل، خاصة في زمن أصبح فيه التعبير عن التعاطف مع الضحايا، في بعض الأحيان، أكثر كلفة من الصمت.
الأمر الأكثر إيلامًا أننا نعيش في عالم يثور بحق عندما تُنتهك حقوق الحيوانات، وهو أمر يستحق الاحترام، لكنه يبدو أقل حساسية عندما يتعلق الأمر بآلاف الأطفال والنساء والمدنيين الذين يفقدون حياتهم كل يوم. ليست القضية مقارنة بين ضحية وأخرى، بل سؤال عن اتساق الضمير الإنساني. فالعدالة لا تتجزأ، والإنسانية لا ينبغي أن تُقاس بجنسية الضحية أو دينها أو موقعها على الخريطة.
ورغم مرارة النتيجة، فإن منتخب مصر خرج من هذه البطولة وقد كسب شيئًا لا تمنحه الميداليات ولا تكتبه سجلات الفيفا. لقد كسب احترام الملايين الذين رأوا فريقًا يقاتل حتى اللحظة الأخيرة، ورأوا مدربًا لم يتردد في التعبير عن قناعته الإنسانية، حتى لو اختلف الناس معه. أما الصور والرسائل التي انتشرت من مختلف أنحاء العالم، ومن شعوب لا يجمعها بمصر سوى الإيمان بقيمة العدالة، فقد أثبتت أن الإحساس بالإنصاف لا يعرف لغة ولا دينًا ولا حدودًا.
ربما سجّل التاريخ أن الأرجنتين تأهلت، وأن مصر ودعت البطولة، لكن التاريخ لا يكتفي بتسجيل النتائج. إنه يسجل أيضًا الأسئلة التي بقيت بلا إجابة، واللحظات التي شعر فيها الناس بأن العدالة لم تكن حاضرة كما ينبغي.
ولهذا، ستظل هذه المباراة، بالنسبة لكثيرين، أكثر من مجرد مباراة كرة قدم. ستظل تذكيرًا بأن الرياضة ليست منفصلة عن القيم، وأن البطولة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد الأهداف، بل بالشجاعة في الدفاع عن المبادئ، وبالقدرة على الوقوف مع الإنسان حين يصبح صوته هو الشيء الوحيد الذي يملكه.
فقد تخسر مباراة… لكنك تكسب احترام التاريخ.











